فتح الله الصائغ الحلبي
50
رحلة فتح الله الصائغ الحلبي
لحقهم العسكر إلا بعد أن بعدوا عن حمص اثنتي عشرة ساعة ، فصدهم الجند ، ومنعهم عن التقدم زيادة ، ووقع بينهم قتال ، ونهب العسكر أموالهم . ثم أنهم كتبوا كتابا إلى الحاكم رومان وطلبوا منه الإذن بالإقامة بتلك الأرض ، وتعمير قرية لهم ، فأذن بذلك ، ورجع العسكر عنهم . وكل واحد منهم بنى له بيتا وأقام به ، وكان عددهم يومئذ ثلاث مئة عائلة . فلهذا السبب سميت قريتهم صددا . ثم فتحنا بضاعتنا ، كي نري للناس أننا تجار ، ونستر مقصودنا . فصرنا نبيعهم ، وأكثر ما بعناه هو الخام الأحمر ، لأن جميع نسائهم تلبس من هذا اللون . فبعنا شيئا قليلا بمقدار خمس مئة غرش . وبعد يومين أو ثلاثة وقف البيع لأن أهل صدد أخذوا كفايتهم ، فصرنا نمضي الوقت ، إلى أن يحل وقت تقرب العرب من الحاضرة « 1 » . وأخبرنا بعض سكان 1 / 11 صدد أنه يوجد ، بعيدا عن هذه القرية ، عمارة قديمة متهدمة / بها حمام طبيعي ، لأن الماء السخن طبيعي ، بل إنه من البخار . كما سنشرحه . فتشوقنا إلى رؤية ذلك المكان وطلبنا من الشيخ أن يأمر بعض الناس أن يصحبونا لنذهب ونرى ذلك المكان . وفي اليوم الثاني قمنا باكرا وكان يرافقنا خمسة أنفار من القرية بواردية « 2 » ، وكان نوفل بصحبتنا أيضا . فكان مسيرنا أربع ساعات لطرف الشرق ، منحرفين لجهة الشمال . فوصلنا ووجدنا عمارات قديمة وخرابا كثيرا ، ثم وجدنا مخدعا بحجم غرفة كبيرة ، لم يزل واقفا ، بناؤه على الطريقة القديمة بالأحجار الكبيرة جدا ، إنما سقطت منه فقط قطعة من الحائط ، من جهة الباب ، فسدّت نحو نصفه . فدخلنا ووجدنا طاقة من جهة الشرق ، طولها نحو ذراع وعرضها كذلك ، قديمة البناء جدا ، ويخرج من تلك الطاقة بخار « 3 » كثيف بكثرة . وأخبرنا الذين معنا أننا إذا رمينا شيئا في هذه الطاقة فإن البخار يصعده مرة ثانية « 4 » إلى فوق . فرمينا محرمة ومسكنا الساعة ، فبعد دقيقة ونصف طلعت إلى فوق ، ثم وقعت أمامنا . فأخذنا قميصا ورمينا به ، فبعد عشر دقائق طلع مع البخار ووقع أمامنا . وأخبرنا بعضهم أن أناسا رموا مشلحا ، الذي ثقله نحو رطلين من الوزن الحلبي ، فرفعه البخار . ثم بعد ذلك خلعنا ثيابنا ، ولم يبق علينا إلا القميص ، وجلسنا جانب الطاقة ، فأبتدأنا
--> ( 1 ) « الديرة » . ( 2 ) رجال يحملون البارودة أي البندقية . ( 3 ) « هبّال » . ( 4 ) « ثاني مرا » أي من جديد .